القرطبي

129

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه أربع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة ) المعنى : هذا الذي تقدم ذكره هو دينكم وملتكم فالتزموه . والأمة هنا الدين ، وقد تقدم محامله ( 1 ) ، ومنه قوله تعالى : " إنا وجدنا آباءنا على أمة ( 2 ) " [ الزخرف : 22 ] أي على دين . وقال النابغة : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع الثانية - قرئ " وإن هذه " بكسر " إن " على القطع ، وبفتحها وتشديد النون . قال الخليل : هي في موضع نصب لما زال الخافض ، أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به . وقال الفراء : " أن " متعلقة بفعل مضمر تقديره : واعلموا أن هذه أمتكم . وهي عند سيبويه متعلقة بقوله " فاتقون " ، والتقدير فاتقون لان أمتكم واحدة . وهذا كقوله تعالى : " وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ( 3 ) " [ الجن : 18 ] ، أي لان المساجد لله فلا تدعوا معه غيره . وكقوله : " لايلاف قريش ( 4 ) " [ قريش : 1 ] ، أي فليعبدوا رب هذا البيت لايلاف قريش . الثالثة - وهذه الآية تقوى أن قوله تعالى : " يا أيها الرسل " إنما هو مخاطبة لجميعهم ، وأنه بتقدير حضورهم . وإذا قدرت " يا أيها الرسل " مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم قلق ( 5 ) اتصال هذه الآية واتصال قوله : " فتقطعوا " . أما أن قوله : " وأنا ربكم فاتقون " وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون فيه بالمعنى ، فيحسن بعد ذلك اتصال . ( فتقطعوا ) أي افترقوا ، يعنى الأمم ، أي جعلوا دينهم أديانا بعد ما أمروا بالاجتماع . ثم ذكر تعالى أن كلا منهم معجب برأيه وضلالته وهذا غاية الضلال . الرابعة - هذه الآية تنظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة ) الحديث . خرجه أبو داود ، ورواه

--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 127 وج‍ 3 ص 30 . ( 2 ) راجع ج 16 ص 74 . ( 3 ) راجع ج 19 ص 19 . ( 4 ) راجع ج 20 ص 200 . ( 5 ) كذا في ب وج‍ وك‍ والمعنى المراد واضح ، وهو أن هذا التقدير يقلق ويقطع الاتصال بين الاثنين .